سميرة...
زرت المركز مرتين أو ثلاثة.. في كل مرة كنت اخرج محملا بالحكايا التي لا تكف عن الصراخ في عقلي...فتيات في عمر الورد يلجن هذا المكان محملات بعبء الزمن الثقيل..كل حسب ما جاء في قسمتها..
سميرة من الحالات التي شدتني كصحفي...فتاة في مثل سنها جالسة دون حراك في ركن من أركان قاعة الطعام تحرك الملعقة بفتور داخل صحنها وبين الفينة والأخرى تضع يدها على بطنها المليء...المليء ليس أكلا ولكن جنينا...اقتربت منها لكي اتاكد من أن ذلك النفخ البارز تحت صدرها هو بالفعل بطنها ..سميرة فعلا تنتظر مولودا...وهذا ما أفادت به المساعدة الاجتماعية يومها...طلبت رايتها فأوتيت طلبي...وفي مكتبة المركز قابلتها..فتاة جميلة تقاسيم وجهها ونبرات صوتها تقول أنها من إحدى القرى الأطلسية....
لم أكن اعرف بماذا أبدا ...فسألتها عن اسمها الذي كنت اعرفه مسبقا ثم عن سنها فقالت أنها في السادسة عشر من عمرها...سألتها هل ولجت مدرسة فقالت لا ولكنها تحفظ بعض القران الكريم....سكت برهة وسألتها ذلك السؤال الذي تهربت منه منذ أن رايتها تلج المكتبة تجر أرجلها جر العازف عن الدنيا وملذاتها....لماذا جيء بك إلى هنا...خفضت رأسها...احترمت صمتها غير أني لم أشح بنظري عن وجهها سالت دموعها بسرعة على خدودها فشكلت مجرى واحدا.. تتابع انهمارها وبللت بطنها...لم انبس ببنت شفة رفعت رأسها وسردت علي أحداث حكايتها التي آثرت أن ألخصها لكم في ما يلي....سميرة أراد والدها تزويجها فلم تعطه السلطات الحق في ذلك لأنها صغيرة ..فزوجها بالفاتحة كما يقول أهل المنطقة ..كان زوجها يكبرها سنا وكان يتغيب دون انقطاع عن البيت والمنطقة ولا يأتي إلا ليلا متحججا بالعمل...وقد شاءت الأقدار أن تكتشف سميرة بالصدفة انه يشتغل في تهريب المخدرات في الشمال ويوم علم باكتشافها ذاك قام بضربها ضربا مبرحا و هددها بالذبح إن هي أفشت سره ..فما كان منها إلا أن هربت من المنطقة برمتها وقد القي عليها القبض بتهمة التسول في مدينة مراكش ثم اقتيدت إلى هنا واجري بحث عن أسرتها وبمساعدة السلطات المحلية عرف أن زوجها ذاك مطلوب من أجهزة الأمن ...سألتها أهذا كل شيء ...ابتسمت بمرارة وكأنها تستنكر سؤالي...ابتسمت بدوري ولبث اهدأ من روعها وان الله معها فيجب أن تؤمن بالمستقبل الأفضل لها ولوليدها بقدر ما آلمتني قصتها بقدر ما شدتني إليها... فالحكاية نفسها من الممكن أن تحصل لأي من بنات حواء...تركتها تعود إلى جناح غرف النزيلات وقصدت مكتب المدير هناك علمت صدق قولها وان الذي لا تعرفه هي هو أن السلطات أسقطت عنها تهمة التسول وأنها هنا فقط لحمايتها لأنها قد تتعرض للأذى من الزوج المشبوه إذا ما علم بعودتها إلى بيت أهلها ...سألته عن ما سيؤول إليه حالها قانونيا ومدنيا فلم يجبني وكعادة المسؤولين اللبقين تعلل بان لديه اجتماعا مهما...وتركني ورحل...
ومن ذلك اليوم وأنا أفكر واستنكر ماذا فعلت هذه المسكينة لتلقى مثل هذا المصير..هل ستنصفها الحياة كم من سميرة تقبع وراء أسوار هذا المركز ومراكز أخرى...لم أجد جوابا للأسئلة الطافية على دماغي ولم أحاول ولوج هذا المركز أو غيره...ليست سلبية مني وإنما هي تسليم بواقع مر..وعدم القدرة على المواجهة ...
لا املك لسميرة ولا لغيرها غير الدعاء وقلمي وهذه الأوراق وهذا الركن من الجريدة ...الآن ارمي الكرة في ملعب من يهمهم الأمر...لا اعلم من هم بالضبط..
لكن من المفروض والطبيعي أن توجد خلايا في هذا المجتمع تهتم بسميرة ومثيلاتها..
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق